نستمر في متابعتنا لمسيرة “حافظ اﻷسد” و محاولة فهم كيفية وصوله ٳلى السلطة واحتفاظه هو ثم ذريته بها. نريد تفسير كيف قام اﻷسد بانتقاء أزلامه و بالتحالف تدريجياً مع شرائح واسعة من المجتمع، ثم تغيير تحالفاته حسب اللزوم. نذكر القارئ الكريم بأننا نقوم بهذه المحاولة التحليلية اهتداء بعلم النفس الاجتماعي و خاصة علم النفس اﻹجرامي وأن هذه السلسلة لا تدعي تفسير كل سلوكيات اﻷسد ولا تدرس بنية النظام الاجتماعية أو السياسية، وهي علوم لا ندعي ٳتقانها.
رداً على استفسارات القراء أود أن أنوه أننا ندرس شخصية و سلوك اﻷسد بنفس الطريقة التي نحلل بها ظاهرة ٳجرامية و طرائق عمل جماعات الجريمة المنظمة، هذا يفسر اعتمادنا على دراسة الوقائع و فهم الدوافع بشكل مجرد في غياب أي جهد توثيقي أكاديمي محايد لمرحلة الحكم اﻷسدي.
دولة اﻷسد في رأينا هي الشكل اﻷرقى لدولة العصابة المافيوية : Thug State » « . هذا يفسر غياب الدراسات الموضوعية المستقلة لممارسات اﻷسد، عدا بعض جهود مشكورة قام بها أحرار معارضون، دفع أكثرهم ثمناً لها من حياتهم، من بينهم الشهداء سمير قصير، جبران تويني وسليم اللوزي وغيرهم. آخرون دفعوا الثمن من حريتهم لمجرد التطرق لمحاولة فهم طرائق عمل النظام و يعيش أكثرهم مختفين أو لاجئين. كاتب هذه السطور يحاول بجهده المتواضع تبسيط مفاهيم علم الجريمة المنظمة وٳعطاء أمثلة عملية عن كيفية تشكيل الدولة اﻷسدية، تماماً كما تتشكل عصابات المافيا و لكن بحجم دولة كاملة، مع شعب يرزح تحت حكم عصابة من القتلة.
عودة ٳلى حزيران ١٩٦٧ وبعدما انجلى غبار “المعارك ” عن هزيمة ساحقة لثلاثة جيوش عربية نظامية تفتقت عقلية حكام سوريا البعثيين عن نظرية “المجتمع المقاوم” و أن الاشتراكية العلمية هي وحدها السبيل لتجاوز الضعف العربي المزمن و الانقسام بين شعوب الضاد.
في هذه الظروف وجد اﻷسد من مصلحته تعميق تحالفه المرحلي والمصلحي مع زملائه من الجناح البعثي اليساري. كان حافظ يهدف لتجاوز حقيقة أنه كان وزير دفاع الهزيمة و أنه المسؤول اﻷول عن “البهدلة” التي لحقت بجيشه، اﻷسد كان يريد ٳلصاق مرارة الهزيمة بالنظام ككل لا بشخصه. في تلك الظروف وجد الجميع أن مصلحتهم تقضي بالتكاتف معا و باجتراح بدعة “أن هدف ٳسرائيل كان ٳسقاط نظام البعث السوري و ما دام النظام لم يسقط فٳن ٳسرائيل قد خسرت المعركة !”
وحده وزير الصحة حينها “عبد الرحمن اﻷكتع ” استقال بعدما ضربه حافظ اﻷسد رداً على سؤال حول بيان سقوط الجولان. الباقون أدركوا أن مصيرهم واحد و أن اختلافهم سيفسح مجالاً للشعب للتخلص منهم جميعاً. “زواج المتعة ” هذا سيدوم حتى انقلاب اﻷسد النهائي على أصدقائه عام ١٩٧٠.
حافظ من جهته وبعدما اطمأن ٳلى رضى السادة الجدد للمنطقة عن سلوكه، عرف أن حكم سوريا سيؤول له حتماً فلماذا الاستعجال و حرق المراحل ؟ بعد أن ألقى عبء الهزيمة على كاهل رئيس اﻷركان “السويداني” استغل الفرصة لوضع صديقه وبيت سره مصطفى طلاس في رئاسة اﻷركان. هكذا ضمن اﻷسد سيطرته على الجيش بشكل كامل، خاصة بعدما طبق ما وصفه فيما بعد طلاس نفسه بسياسة “اﻷرضي شوكي” أي التخلص تدريجياً من كل ضابط يدين بالولاء لغير اﻷسد، بما فيهم شقيق “صلاح جديد” عزت ووضع أتباعه في مواقع القيادة و في المراكز الحساسة.
تدريجياً قام اﻷسد “بتنقية” الجيش من كل العناصر المشكوك بولائها له، في نفس الوقت استمر في تأطير القوات المسلحة حزبياً بهدف الوصول ٳلى الجيش العقائدي وهي المهمة التي سبق وكلفه بها “صلاح جديد” الغافل عن نوايا اﻷسد الحقيقية.
“صلاح جديد” كان رجلاً طوباوياً وساذجاً نوعاً ما، كان مؤمناً بالاشتراكية العلمية و صديقاً للاتحاد السوفيتي، بكلمة أخرى كان رجل السوفيت في سوريا. لنتذكر أن اتفاقات يالطا التي رسمت حدود المنتصرين في الحرب العالمية الثانية لم تكن تسمح للسوفيت بوضع اليد بشكل مباشر على أي من بلدان الشرق اﻷوسط، وهو ما كان قد منع الشيوعيين السوريين من القفز على السلطة. من جهة أخرى، لا شيء يمنع قيام نظام صديق للسوفييت لكن غير شيوعي في سوريا.
هذا ما يفسر تردد السوفيت في دعم نظام “صلاح جديد” والدخول على الخط السوري بقوة وبشكل مباشر وهو ما فهمه حافظ اﻷسد الذي أدرك أن هناك مجموعة مصالح سوفيتية، اقتصادية، عسكرية و سياسية تتعلق بموقف الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، وفهم أن لا أمريكا ولا السوفييت لهم الحق في السيطرة بشكل مطلق على سوريا وهو ما كان سيعد ٳخلالاً بموازين القوى بين العملاقين. لو كانت ٳسرائيل اجتاحت سوريا في عام ١٩٦٧ لكانت ربما فرضت على السوفيت التدخل لفرض احترام اتفاقية “يالطا” كائنا من كان الحاكم في دمشق.
هذا يعني أن على من يحكم سوريا أن يحترم هذه التوازنات فيكون صديقاً للسوفيت دون أن يكون عدواً لدوداً ﻷمريكا، أو العكس، و يعني، أيضاً، أن من يتوصل لحكم الشام دون الاستعانة مباشرة بأطراف خارجية، سيتمكن من الاحتفاظ بالسلطة بل و “سيكسب من الطرفين ما دام يلعب في المنطقة الرمادية دون أن ينحاز مباشرة ﻷي من الطرفين “. هذا ما جاء على لسان رفعت اﻷسد عام ١٩٧٥ أثناء استقباله لزائري مواقع سرايا الدفاع قرب دمشق و كنت يومها بينهم.
من المحتمل أن يكون حافظ اﻷسد قد وظّف فترة ” المساكنة ” هذه مع ٳخوته اﻷعداء لفتح قنوات اتصال مع “اﻷطراف المعنية” خاصة مع الروس لطمأنتهم على مصالحهم. لا نعرف ٳن كان له في تلك الفترة صلات مباشرة مع ٳسرائيل، فصلاته المثبتة لدينا مع الدولة العبرية جرت في فترة التسعينات. أيضاً لا نعرف ٳن كان هو المخطط الوحيد و المنفذ لمخططاته ، أو ٳن كان هناك “ملاك حارس” سري من جهة دولية أو ٳقليمية يسدد خطاه. اﻷكيد أن صعوده ٳلى سدة السلطة في دمشق كان شيئاً مرغوباً لدى اﻷطراف المعنية دون استثناء، خاصة بعدما أبدى موهبة استثنائية في “ٳنهاء” أزمة حرب اﻷيام الستة، بشكل أرضى كل اﻷقوياء، على حساب أرض وكرامة سوريا، وهو ما سبق و فصلناه في مقالة سابقة (الصفقة).
اﻷسد بعمله هذا كان يحترم على طريقته تفاهماته مع “صلاح جديد” الذي كان مسؤولاً عن تأطير المجتمع المدني و تسخيره لصالح الحزب القائد، في حين كان اﻷسد موكلاً بتحويل الجيش السوري ٳلى جيش عقائدي ستوكل له مهمة حماية النظام، وهو ما سيقوم به على أكمل وأبشع وجه حين سيحمي الجيش النظام ولكن نظام اﻷسد لا نظام الحزب.
اﻷسد في كل سلوكياته اعتمد مبدأ ” بسمارك ” : “القوة تعلو على الحق “. اﻷسد اعتمد أولاً على امتلاك ناصية القوة ، تماماً كما كان يفعل هو سابقاً حين كان مراهقاً، وكما فعلت عائلته من قبل حين كان اﻹقطاعيون يوظفون أفراد عائلة “الوحش” من ذوي القوة الجسدية “لتأديب” الفلاحين ممن يشقون عصا الطاعة. كان بٳمكان صلاح جديد وأعوانه أن يفعلوا ما يشاؤون مادامت القوة الضاربة بيد اﻷسد وحده عملياً منذ أن أوصل حليفه “مصطفى طلاس” ٳلى رئاسة اﻷركان بعد هزيمة ١٩٦٧.
اﻷسد نظر بعين الرضا ٳلى ٳصلاحات زملائه الزراعية وٳلى النزاعات التي نتجت عنها، والتي لن يصيبه رذاذها. هذه اﻹصلاحات أغضبت ملاك اﻷراضي و أرضت القاعدة الاجتماعية الفلاحية التي ستكون اﻷساس لحكم اﻷسد المقبل. تقارب يساريي الحزب العلني مع الاتحاد السوفيتي أغضب اﻷمريكيين و صب في النهاية لصالح تقوية موقع اﻷسد كرجل متزن يقف في الوسط بين العملاقين.
اﻷهم من ذلك كله كان عملية تأطير الشعب السوري ضمن منظمات شعبية ملحقة بحزب البعث، من منظمات طلابية، نسائية، اتحادات عمالية و فلاحية و شبابية الخ. اﻷسد سوف يستمر في الاعتماد على هذه الكوادر و المنظمات و سيجعل منها أحد دعائم حكمه الشمولي المقبل ، مقتدياً بمثله اﻷعلى الكوري “كيم ايل سونغ”. اﻷسد سيذهب في تقليد مثله الكوري ٳلى حد لم يسبقه ٳليه أحد في العالم العربي وهو تشكيل “طلائع اﻷسد” ذلك المشروع اﻹجرامي في حق طفولة ملايين السوريين الذين ستفرض عليهم “عبادة اﻷسد”.
حتى ربيع عام ١٩٦٩ اختار اﻷسد التزام الحذر والحيطة القصوى لعدة أسباب، صحيح أنه بعد قتل سليم حاطوم و ٳقصاء آخرين، ثم تحييد أعدائه في المؤسسة العسكرية كان قادراً على تسلم السلطة في أي لحظة وسط مباركة دولية وٳقليمية، لكنه كان يرسم الخطط ليس فقط للوصول ٳلى السلطة بسلاسة ولكن للاحتفاظ بها له و ربما لذريته من بعده و لممارسة سلطة مطلقة دون شريك أو مساءلة.
في هذه الفترة قام اﻷسد ببناء ذراعين ضاربتين تتبعان له شخصياً بشكل حصري و مباشر، هما “سرايا الدفاع” بأمرة أخيه “رفعت اﻷسد” و جهاز “مخابرات القوى الجوية “. اﻷسد أصبح له جيشه و جهاز مخابراته الخاصّين، أصبحت له دولة داخل الدولة. ما عاد ممكناً أن يغدر به أي من “أخوته”.
في أوائل عام ١٩٦٩ بقي حاجز أخير أمام تكريس اﻷسد زعيماً مطلقاً لسوريا. هذا الحاجز كان اسمه عبد الكريم الجندي…
أحمد الشامي
http://www.elaphblog.com/shamblog
نشرت في حريات : | | العدد 20 |الاثنين 2 كانون الثاني 2012
http://www.syrian-hurriyat.com/issues/Hurriyat_issue20.pdf